محمد طاهر الكردي
137
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
كما في صحيح البخاري ، وهذه المدة كافية لمحو معالم الديانة وانتشار الجهل والفوضى في العقائد . ( فإن قيل ) : فما معنى ما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضى اللّه تعالى عنه ، قال : « زار النبي صلى اللّه عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ، فقال : استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي ، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي ، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت » . ( نقول ) : لقد فهمنا هذا الحديث كما يأتي : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مسؤول من بعد بعثته عن أمته فقط ، وأمه ماتت قبل بعثته بأربعين عاما وهو طفل في السادسة من عمره ، وهي من أهل الفترة على دين إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام في أساس التوحيد وإن لم تعرف معالم دينه للفترة الطويلة ، فهي إذا ليست من أمته لأنها لم تدرك الإسلام ، ومن لم يدرك الإسلام فأمره مفوض إلى اللّه عز وجل ، واللّه تعالى لا يشقي أمه حيث كانت مع بعض عقلاء قومها على التوحيد ولم تعبد صنما ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مخاطب بعد بعثته بقومه ومسؤول عن أمته ، لا تعلق له دينيا بمن مات قبل البعثة حتى يستغفر له تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ . فعليه ليس هو مكلفا بالاستغفار لأمه حتى يزورها ليستغفر لها ، فسوف يقر اللّه تعالى عينه يوم القيامة بنجاتها من النار وإدخالها الجنة مع السابقين بفضله ورحمته - وما قررناه في أمه العزيزة صلى اللّه تعالى عليه وسلم نقرره في أبيه الكريم . أما زيارته لها صلى اللّه عليه وسلم في قبرها شوقا وحنينا فلا بأس من ذلك ، فقد أذن اللّه تعالى له في زيارتها ، فزارها وبكى وأبكى من حوله ، فبكاؤه صلى اللّه تعالى عليه وسلم كان رحمة وشفقة وحنينا وشوقا ، ولتذكره أحوال طفولته معها وكونها ماتت وعمره ست سنين ، أليس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بشر يعتريه ما يعتري البشر ، فزيارته صلى اللّه عليه وسلم لأمه ليست كزيارتنا ، إنه يكشف له ويرى ما لا نراه . ( فإن قيل ) : لم استأذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة أمه ولم يستأذن لزيارة أبيه ؟ ( نقول ) : لأنه صلى اللّه عليه وسلم لا يعرف أباه ولم يره فقد مات وهو في بطن أمه ، أما أمه فقد رآها ويعرفها ويتذكرها فقد ماتت وعمره ست سنين ، والإنسان يحن إلى أمه ويشتاق إليها أكثر ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بشر في أحواله العادية - واللّه تعالى أعلم .